النووي
45
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
الْحَلِفُ حَتَّى لَوْ هَرَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ نَاكِلٌ ، وَقَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ ، وَكَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا عَادَ ، هَكَذَا أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمُقْتَضَاهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِالنُّكُولِ ، وَبَيْنَ السُّكُوتِ حَتَّى لَا يَمْتَنِعَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْيَمِينِ فِي الْحَالَيْنِ إِلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ ، أَوْ بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَفِي التَّصْرِيحِ احْتِمَالٌ ، وَحَيْثُ مَنَعْنَاهُ الْعَوْدَ إِلَى الْحَلِفِ ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُدَّعِي ، فَإِنْ رَضِيَ ، فَلَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعَدُوهُمَا ، فَلَوْ رَضِيَ بِأَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، فَلَمْ يَحْلِفْ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَعُودَ إِلَى يَمِينِ الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِرِضَاهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . فَرْعٌ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي : أَتَحْلِفُ أَنْتَ ؟ كَقَوْلِهِ : احْلِفْ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَلِفِ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ : وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ . فَصْلٌ الْمُدَّعِي إِذَا رُدِّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ قَدْ يَحْلِفُ ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ ، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ الْمُدَّعَى ، وَهَلْ يَمِينُهُ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ ، أَمْ كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا . وَمِنْهَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْأَدَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ بَعْدَ مَا حَلَفَ الْمُدَّعِي ، فَإِنْ قُلْنَا : يَمِينُهُ كَالْبَيِّنَةِ ، سُمِعَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : كَالْإِقْرَارِ ، فَلَا ، لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ بِالْإِقْرَارِ ،